حوار في الثقافة

يحتل موضوع الثقافة مكاناً مرموقاً مركزياً في الفكر العالمي المعاصر، بحيث يصح القول ان المسألة الثقافية هي اليوم مسألة المسائل، بل المحرّك للتاريخ، لأن المستقبل للثقافة وليس للإقتصاد او للسياسة..

ويعود ذلك الى الارتباط الحميم بين الثقافة وديانات وهويات وقيم وفنون وسلوك وشعائر الشعوب والجماعات، وبالتالي الى مدى تأثيرها الهام والمباشر، وربما الحاسم، على العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين. ويتركز الجدال حالياً حول فرضيتين هما: تآلف الانسان والثقافة والروح، او العودة الى بربرية مادية جديدة. الفرضيتان سوف تتحكمان بالوضعية الدولية وهي: حوار الثقافات والحضارات والاديان او تصادمها، اي تصادم الانسان في عدمية جديدة في رفضه للآخرين، هاتان الفرضيتان تطرحان عملياً اشكالية التبادل الثقافي ـ اي نوعية العلاقة القائمة ـ والممكن ان تقوم بين الثقافات، هل هي علاقة فرض واملاء والزام، ام هي علاقة تعاون وتفاعل، بمعنى آخر:

هل هي علاقة غزو ام علاقة انفتاح؟

واذا عدنا الى مفهوم الثقافة بجوهره، نجد ان العناصر الاساسية المكونة له هي: اللغة والتاريخ..والثقافة تتناول بدورها مجموع نماذج السلوك والفكر والاحساس، خاصة تلك التي تركز بين نشاطات الانسان في علاقته مع الله والآخر والطبيعة...لان الانسان هو محور الثقافة ومطورها في آن، وتعمقه بالمعرفة عبر الثقافة يحرره اكثر ويشده الى الماورائيات ويقربه من اخيه الانسان ويجعله اكثر قدرة على التحكم بالطبيعة والاشياء، انه يحقق ارتقاءه في الثقافة وبالثقافة..

لكن من الامور الشائكة التي تحكم الثقافة هو في نوع العلاقة القائمة، او الذي يمكن ان يقوم بين ثقافتين متباعدتين أساساً في جذورها الدينية وانتماءاتها الاثنية وواقعها الجغرافي، وتراثها السوسيو ـ ثقافي (الاجتماعي الثقافي) والجمالي وسلم القيم فيهما، وهذه العلاقة تتبع اما المنحى التفاعلي او المنحى التصادمي ويتولد عنها بالتالي اما القتل الاثني او التفاعل الحضاري.

وحريُ بنا التساؤل هنا حول كيفية ازالة الابهام والغموض عن تلك العلاقة حتى نستطيع ان نميز بوضوح بين الغزو الثقافي والانفتاح الثقافي وما الفرق بينهما، فلقد شاع استعمال تعبير الغزو الثقافي في الخطاب السلفي والخطاب الثوري في العالم العربي منذ اوائل القرن الماضي، واعتبر هذا الغزو جزءاً من الاحتلال الذي وقع على بلدان العالم الثالث، واحدى الوسائل الضرورية للسيطرة عليها، انه الزاوية الرابعة لتحقيق الاهداف الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية داخل هذه البلدان. وهناك من يذهب الى ابعد من ذلك معتبراً ان الغزو الثقافي كرأس حربة للغزو الشامل..

ومع ان الثقافة كانت ميداناً من ميادين الصراع بين الغرب وشعوب المنطقة، الا ان بروز المعسكر الشيوعي جعل ميدان المبارزة بين ايديولوجيتين: الراسمالية والشيوعية مما ابقى الثقافة الوطنية في الظل، لا بل حاول مراراً طمس هذه الثقافة، وقامت محاولات من جانب الايديولوجيتين الكبريتين للحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية وخصوصيتها بهدف استخدامها وسيلة في حربهما الايديولوجية لثقافة بورجوازية من جانب وثقافة بروليتارية من جانب آخر، وبإنهيار المعسكر الاشتراكي انسحب الصراع الايديولوجي واخلى مكانه للصراع الثقافي، وتلك ظاهرة من اخطر الظواهر التي شهدها التاريخ البشري، ان لم تكن اخطرها على الاطلاق..

ومن البديهي القول ان الثقافات، منذ وجدت مع ظهور الانسان، والعمران البشري، وهي على اتصال وتداخل وتفاعل في المكان والزمان والجماعات، بحيث ان تاريخ البشرية الحضاري هو مجموع التفاعلات الثقافية عبر الاتصال والاحتكاك بين الافراد والجماعات والمحيط، وما ابعد الزمان والمكان في زمن السلم كما في زمن الحرب ـ عن قرب (كما كان الوضع في الماضي) او عن بعد (كما هو الوضع الآن).

ان مفهوم الانفتاح يناقض مفهوم الغزو الثقافي، وذلك لانه يقوم اساسا على مبدأ المثاقفة والاغتناء بثقافة الآخر او اغناء ثقافته، فهو علاقة تفاعل لا نتيجة فعل، لانه ذو اتجاهين وليس خلاصة لاتجاه واحد.

فالرد على الغزو الثقافي يقوم حاليا على موقفين: اولهما، هروب الى الوراء بالانغلاق الاصولي، وهو افقار للذات النافية لغنى الاخر، وثانيهما: هروب الى امام بالمراهنة على الحداثة والعصر اي التغريب، وهو افقار للذات بإقتلاعها من غناها وعظمة اختبارها، واقتلاعها من جذورها التي تعطيها فرادة اختبارها ـ لذا علينا ان نكون بمثابة الحد الاوسط في القضية المنطقية، فلا نستغني عن الجذور ولا نركن التطلع الى المستقبل ـ بناء عليه يمكن ايجاز مستلزمات الانفتاح الثقافي في العالم العربي بضرورة الاقرار والاعتراف بوجود خلل في داخل المجال الثقافي العربي الاحادي المنغلق الرافض لقبول الغيريّة، والتنوع، والفارق بالتبجح والسلفية والانبهار بمثال واحد، واختبار واحد لاغٍِ لاختبارات الملايين من الشعوب والجماعات، وهو ما يسمح للخارج بإختراقه والتأثير فيه وعليه، كذلك الاقرار والاعتراف بان تجديد الثقافة العربية، لا يبدأ بمواجهة الثقافة الغربية اولاً، بل بإعادة بناء هذه الثقافة من الداخل، وقبول ان الآخر وثقافته هما جزء اساسي لوجودي واغتنائي، وهذا ما يسمح للثقافة العربية بتحصين نفسها، ومن ثم مواجهة الثقافة الغربية وغيرها من الثقافات بالتفاعل والتبادل، وعليه فلا بد من اعادة قراءة تاريخ العرب الثقافي واعادته الى زمن البداية، اي الزمن الذي كان له الدور الكبير في التفاعل والتبادل ونقل وهضم وخلق ثقافات اعطت الحضارة عمارة فكرية رائعة هذه القراءة تبدأ بإحياء التراث، لأن التراث هو الخيط الهادىء (والخط) الجامع للمسار الثقافي، وهو الذي سوف يربط انا الحاضر بـ أنا الماضي، وأنا المشروع المستقبلي، ولا يوجد أنا الا اذا كنت أنتَ موجوداً، هذا هو مشروع الشخصانية الانسانية المستقبلية، وهذا الخيط هو القادر على ربطه بنا وربطاً به بصورة حديثة معاصرة والعمل على تحرير الثقافة من الظلامية الدينية والسياسية.

فالسياسة سلطة والثقافة حرية..والسلطة تقتل الحرية، والحرية والفاجعة هما العنصران اللذان يخلقان الحضارة، لأنهما عملان تأسيسيان لها، وهنا تكمن اهمية الاستشهاد والموت والقيامة او العودة والتجدد في الحضارات الكبرى..

ان الخروج من هاجس الغزو الى رحاب الانفتاح الثقافي والحوار المحب والاحترام يستوجب تبني استراتيجية ثقافية عربية قادرة على مواجهة الابعاد الثقافية من جانب والانشطار الثقافي داخل المجتمعات العربية من جانب آخر انها استراتيجية تقوم على الابعاد التالية: بُعد فكري حر نقدي،.. بُعد سياسي بإقامة المجتمعات الديمقراطية... وبعد اقتصادي اجتماعي وانمائي علمي مبني على توازن نمو الانسان، كل انسان.. وبُعد ثقافي قائم على التجدد من الداخل بالمزج بين الحداثة والاصالة، وقبول الآخرين، واستشراف الايام الآتية بغنى الماضي الغني بالخلق والابداع..

هذه الرؤية لا يحمل مهامها الحكام والأحزاب والمؤسسات والنقابات..بل المثقفون انفسهم، لأنه كما يقول هيغل: سيأتي يوم تقف الثرثرة السياسية امام جدّية التاريخ ولا يبقى الا الروح..