حدود حوار الثقافات

كيف يمكن أن يكون هنالك حوار ثقافي (حوار بين الثقافات)، في ظل هذا الذي يحدث في العلاقات الدولية، والممارسات السياسية؟ بمعنى كيف يكون هناك حوار في ظل الهيمنة؟ وما حدود مفهوم "حوار الثقافات"؟

إن تحليل ومعالجة التوترات والنزاعات العالمية عبر منهج ثقافي، أو ديني، أو بالأحرى حضاري، غالبًا ما يُخفي رفضًا أو عدم قدرة على استكناه هذه النزاعات جوهرها السياسي البسيط. يحتاج العالم اليوم إلى آليات من شأنها ضمان توزيع أفضل للموارد السياسية أكثر من احتياجه إلى مجهودات للتقارب الثقافي والديني، كائنة ما كانت أهمية هذه الأخيرة. يعني ذلك الوصول إلى درجة أعلى من العدالة العالمية، بل الوصول فقط إلى درجة أقل سفورًا من اللاعدالة. فلا ريب أن التقارب الثقافي جدير بالإسهام في بلوغ الحل السياسي لهذه النزاعات، لكنه ليس بمقدوره أن يكون بديلاً عنه.

ضمن هذه الحدود الدقيقة، يبقى دور "حوار الحضارات"، رغم كل شيء، مهمًّا. بيد أنه يتوجب تحديد ميدان عمل هذا الحوار: أولاً، لا يجب الخلط بينه وبين حوار الأديان، الذي أظهر التاريخ القريب حدوده الضيقة. فالرغبة في ردم الهوَّة بين العقائد لا تقدِّم في الواقع إلا القليل من عوامل التطابق التي يسمح بها الانتماء الديني، كما أنها تشكل صعوبة في أن يقدّم "شخصٌ مؤمنٌ" -دون أن ينفي نفسه- تنازلات تتخطى الشكليات إلى "شخص مؤمن" آخر.

أحيانًا يتم اتخاذ حوار الحضارات أو الثقافات كستار للتغطية على المشاكل السياسية. لكن إذا اقتنعنا بأهمية الحوار الثقافي فلا بد من تحديد ما هو المطلوب من هذا الحوار. المشكلة أننا حين نتناول قضية اختلاف الثقافات، كثيرًا ما تتم الإشارة إلى أن الاختلاف ليس في الثقافات فقط؛ بل في الحضارات، وعلى مستوى القيم، فنلعب لعبة خطرة؛ إذ نضفي -بهذا- شرعية على فكرة صدام الحضارات. إن علينا ألا نخلط بين الجانب الإيجابي لتعدد الثقافات وبين الجانب السلبي، فليس من الممكن عولمة الثقافات والاندماج في ثقافة واحدة. نحن بحاجة إلى خصوصياتنا، لكن هذه الخصوصيات لا تعني أن هناك تناقضًا جوهريًّا بين القيم. وأنا أدرك أن فكرتي هذه ليست مقبولة على مستوى كبير لدى الطرفين.