مفاهيم مرتبطة بمفهوم حوار الحضارات

ان الحديث عن مفهوم (حوار الحضارات) يجرّنا إلى تناول ثلاثة مفاهيم أخرى:

أولا - المفهوم مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهومين آخرين:

- المفهوم الأول هو مفهوم الحرية, فلا يمكن أن نتصوّر حوارا حقيقيا ومجديا دون توافر مناخ الحرية, وبخاصة حرية الرأي والتعبير والنشر, وعندما نعود إلى تراث الفكر الإصلاحي في القرن التاسع عشر نجد المصلح التونسي خير الدين قد تفطن نتيجة الممارسة السياسية من جهة, ودراسة تجربة التقدم الأوربي من جهة أخرى, إلى خطورة عامل العدل السياسي, والحرية فيما عرفته أوربا من تقدم, مؤكدّا في كتابه (أقوم المسالك) (أن الحرية هي منشأ سعة نطاق العرفان والتمدن بالممالك الأوربية. ويقول في فقرة أخرى: (وإنما بلغوا (يعني الممالك الأوربية) تلك الغايات, والتقدم في العلوم والصناعات بالتنظيمات المؤسسة على العدل السياسي).

فأين نحن من ذلك في العالم العربي بعد مرور قرن ونصف القرن على ما صدع به خير الدين في كتابه (أقوم المسالك)؟

- أما المفهوم الثاني فهو مفهوم التسامح, وهو بدوره ذو علاقة متينة بمفهومين آخرين: مفهوم التعايش , ومفهوم السلم وطنيا وعالميّا.

إن المجتمع العربي لهو اليوم في حاجة ملحّة إلى نشر مفهوم التسامح, ومن هنا فلا بدّ لجميع قوى المجتمع المدني, وبخاصة فئات النخبة أن تقف سدّا منيعا ضدّ جميع مظاهر عدم التسامح, عدم تسامح الأفراد فيما بينهم, وعدم تسامح الطوائف والمذاهب فيما بينها, وعدم تسامح السلطة مع المدافعين عن حقوق المواطنة.

إن هذه الجبهة قد أصبحت اليوم ضرورية في الوطن العربي بعد أن ساءت الأوضاع وتدهورت, فأصبح الصمت يعني القفز في المجهول, والمزيد من التردي، فقد يقول قائل: إنك تدعو إلى تسامح مطلق, وهذا موقف مثالي لا وجود له في عالم الممارسة اليوميّة, وبخاصة في البلدان غير الديمقراطية, وحتى في البلدان الديمقراطية, كما تبرهن على ذلك قيود الهجرة إلى بلدان الاتحاد الأوربي, أو السفر إلى الولايات المتحدة، نعم أقبل هذا الاعتراض, وأقول: إن تسامحا مقيّدا أفضل بكثير من انعدام التسامح البتة.

- أما المفهوم الثالث فهو مفهوم العنف السياسي وعلاقته بالحوار, فالقطبيّة السياسية والثقافية تريد اليوم فرض نموذجها السياسي والحضاري بالقوة, فأصبحت متهمة بأنها تريد القضاء بالعنف على أنماط الحياة التقليدية للشعوب, وبخاصة شعوب الجنوب, ومن هنا جاءت ردود.