في معنى التثاقف

      لفظٌ على وزن تَفَاعُل، و"تَفاعُلٌ" تعني بذل جهد معين لإحداث فعل يشترك فيه طرفان أو أكثر. والتَّثاقُف، أصلاً، لفظ عربي من جذر "ث ق ف"، الذي من معانيه الحذق والفهم وسرعة التعلُّم وتقويم المِعْوَج. ولقد استعملت العرب، قديما، اللفظ "ثقف" في حديثها عن الرِّماح، إذ قالت "ثقف الرجل الرُّمح"، أي أعدَّه للاستعمال وجهَّزه ليكون حاضرا وفعالاً وقت استخدامه في المعركة أو الصَّيد وغير ذلك من الأغراض. وقالت العرب، كذلك، "رمحٌ ثقيف"، أي رمح صالح وجاهز للقتال أو الصَّيد وسوى ذلك. فالمفهوم الأساس في اللفظة هو الحذق والإعداد والتَّجهيز، أمَّا دلالته عند العرب القدماء فكانت في ما يفيد إعداد الرِّماح وتجهيزها فضلاً إعداد النَّاس في مجال الفطنة والتَّعلُّم. وشهد هذا اللفظ، في الزَّمن المُعاصِر، تحوَّلاً في دلالته، وليس في مفهومه؛ إذ استخدم النَّاس لفظ "ثقافة" و"مثقَّف" و"تثقيف"، لما يفيد إعداد المرء للتَّعرُّف على ما في عصره من علوم ومعارف وقِيَم ومفاهيم وعادات والتفاعل عبرها. ولذا، فقد جاء في أدبياتهم "رجل مثقَّف" و"نشاط ثقافي" و"عمليَّة تثقيف" و"مجتمع تثاقف". ومن هنا، فإنَّ مفهوم "ثقف" حافظ على أصالته العَرَبِيّة، وهي الإعداد والتجهيز، لكن غلب عليه في الزَّمن المعاصر دلالة إعداد النَّاس وتجهيزهم في مجالات الفكر والعيش العام عوضا عن إعداد الرِّماح وتجهيزها في مجالات الحرب والصيد وسواها. وهكذا يكون "التَّثاقُف"، بدلالته العَرَبِيّة المعاصرة، عمليَّة بذل جهد معيَّن من قِبَلِ طرفين من النَّاس، على الأقل، إذ هو تفاعل يقوم به النَّاس لإعداد ذواتهم وتجهيزها في مجالات معاصرة الفكر والعيش العام.